27 January 2012

لو كنت إسرائيلياً



أحياناً أحاول اتقمص دور مواطن إسرائيلى و أتخيل طريقة تفكيره فيما يجرى حوله فى بلدان العرب. بعدما شاهدناه فى شوارع تونس و مصر من شباب لم يعد يهتم بأى شىء إلا حريته و كرامته, وبعد ما شاهدناه فى ليبيا من ملاحم إسطورية لشباب مصراتة و بنى غازى و الزاوية طرابلس و الجبل الغربى ضد نظام همجى ليس له فى التاريخ مثيل, وبعد ما نشاهده اليوم من بطولات نادرة لشباب سوريا ضد نظام عنصرى طائفى نازى و ما سطره من قبل ثوار اليمن من بطولات و إنهاء حكم دكتاكتور فاشل, كل هذه المشاهد تجعل أى شخص عاقل يفكر ألف مرة قبل أن يفكر فى إستفزاز هذه الجموع الثائرة

من سنة واحدة كان ميزان القوة على الأرص وفى العقول والأذهان أيضاً هو أن الجيش الصهيونى يستطيع سحق أى جيش عربى بسهولة أو حتى على الأقل لا يمكن كسره بشكل جذرى لما يتوافر لديه من سلاح متطور بالأساس و حرفية و تدريب عالى اكتسبه من الحروب التى تشعلها تلك الدولة العنصرية باستمرار. لكن ما خلقته الثورات العربية بدون أن تدرى هى أنها لم تنهى فقط أنظمة متعفنة عميلة بل خلقت واقع أمنى جديد و غيرت موازين القوى على الأرض و فى العقول بشكل كبير جداً

ماذا يمكن أن يفعل الجيش الصهيونى إذا فرضت عليه حرب كتلك التى يقودها الجيش الحر فى سوريا ضد عصابات الأسد؟ ماذا سيفعل إذا فرضت عليه حرب طويلة الأمد فى الشوارع و فى المدن مع مقاتلين من عينة ثوار مصراتة و الزاوية و كل مدن ليبيا؟ كل هذا مع ملاحظة أن الوضع فى مثل تلك الحالة سيكون فيه حرية حركة بشكل كبير و الوصول إلى مصادر السلاح أسهل بكثير جداً. ماذا بوسعه يفعل الجيش الصهيونى حتى لو استخدم كل ما لديه من اسلحة؟ فذلك لن يغير كثيراً من الموازين القوة مع ثقة فى الله وفى النفس وفى عدالة القضية لا حدود لها ومع روح معنوية تعانق السماء.

حرب الغد لن تكون 6 أيام كما كانت فى 67 ولا 18 يوماً كما كانت فى 73 ولا شهراً كما كانت فى 96 أو 2008. حرب الغد ستكون شهوراً و ربما سنين - إذا استطاعت الدولة العبرية الصمود - و لن يهزمها جيشاً منظماً بالشكل الحالى. سيهزمها و ينهى و جودها و يكسر شوكتها شباب يحارب حر فى حركته يختفى تحت الأرض و يضرب بقوة و عزيمة لا تلين, شباب الجيش الحر فى سوريا و شباب ملاحم صحراء ليبيا و شباب الفلوجة العراقية

لعل ذلك يفسر ما بدأ يتداوله الكثير من الكتاب - كما اشار الأستاذ نواف زور فى مقاله: "زوال إسرائيل" على أجندة الجدل الصهيونى*- عن زوال دولة إسرائيل الحتمى مع ما يحدث حولها الآن من تغييرات لا سابق لها. لعلها نفس اللحظة التارسخية مرت بها المنظقة أيام نور الدين زنكى و صلاح الدين الأيوبى

لو كنت إسرائلياً لحضرت جواز سفرى الآخر - معظمهم لديهم جنسية ثانية لشعوره بالحاجة إليه يوما ما!! - و بدأت فى ترتيب حياتى فى بلادى التى جئت منها أولاً. كان لى زميلة إسرائيلية فى جامعة برمنجهام - كانت معنا فى إتحاد طلبة الجامعة - تركت مع أسرتها مدينة إيلات سنة 2000 بعد إندلاع الإنتفاضة الثانية و هاجروا إلى بلدهم الأصلية بريطانيا. و الآن هى ناشطة سلام و تعمل مع أسرة فلسطين بالجامعة. على خطاها فاليسر من جاؤا من روسيا و بولندا و اثيوبيا و أوروبا الغربية. من يتكلم العربية أهلاً و سهلاً به يعيش معززاً مكرماً لكن تحت حكم دولة فلسطينية مدنية ديمقراطية على كامل الأرض, يعيش فيها كل الناس من مختلف الديانات بحب و سلام كما كانوا من قبل للآف السنين قبل ظهور الصهيونية ووليدتها القبيحة

* http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1D261BF2-B4A7-41EE-AD6E-27ECDC0AC973.htm?GoogleStatID=30

17 May 2011

قليل من الديمقراطية يكفى الآن


كثيراً من الديمقراطية قد يضر مثل كثيراً من الدكتاتورية

أيهما يأتى أولاً, الديمقراطية أم التنمية؟ حظيت الإجابة على هذا التساؤل بالكثير من الإهتمام فى الدراسات التنموية. و أكثرها شهرة و إقناعاً هى تلك التى يتزعمها الفروفسير الإنجليزى أدريان ليفتوتشي و التى استنتج منها أن معطم إن لم يكن كل البلاد المتقدمة حالياً, بإستثناء الولايات المتحدة الأمريكية, بدأت نهضتها و تقدمت تحت أنطمة حكم غير ديمقراطية و إن كانت ذات رؤية تنموية شاملة. و الامثلة الأكثر تعبيراُ عن ذلك هى المانيا و بريطانيا و اليابان و بلاد شرق آسيا

و بالنسبة للوضع فى مصر بعد ثورة 25 يناير فإن على قيادة البلد أن تدرك أنه لا ثورة بعد ثورة 25 يناير. وأن كثيراً من الديمقراطية يضر البلاد مثل كثير من الدكتاتورية. ما تحتاجه مصر فى خلال العامين القادمين هو ديمقراطية النخبة و رجال الفكر فقط. ما دام الجميع متفق على الأهداف و الخطوط العامة للمرحلة القادمة - دولة مدنية, حقوق إنسان مكفولة, الإحتكام لصندوق الأنتخابات, العدالة الإجتماعية, سياسة خارجية تليق بتاريخ و جغرافيا و شعب مصر - فاليكن ذلك كافياً من الديمقراطية حتى تستقر أوضاع البلاد و تخرج من عنق الزجاجة الحالى

9 May 2011

تلفيون مع سبق الجهل والتعنت


ليس لهؤلاء المتحجرين فى مصر الجديدة مكان. مصر الثورية هى لجيل الشباب الذى صنع الثورة بدمائه وليست لمن حرموا المظاهرات و الخروج على الحاكم. مصر لن تكون لهؤلاء الذين يعيشون فى القرون الخالية و يتوهمون حياة لم ولن تكون. مصر لن تكون لأنصاف المتعلمين و الجهلة و متبعى توافه الأمور و تاركى هموم الوطن الكبرى

هم تلفيون بالسلقية ولا يجوز أبداً أن نسميهم سلفيون, فهذا شرف لا يستحقون منه مجرد الإسم بعد أن حرموا أنفسهم من متعة المعنى. كيف لمن يحرق الكنائس و يروع الآمنين أن ينتسب لمن رفض الصلاة فى الكنيسة حتى لا يتبعه الأخرون بعده و يحولوا تلك الكنيسة إلى مسجد؟ كيف لهؤلاء أن ينتسبوا أصلا لدين الإسلام الذى روى عن رسوله قوله صلى الله عليه وسلم: من آذى ذمى فقد أذانى؟ أنسى هؤلاء أن رسولنا الكريم استقبل وفد أقباط مصر فى مسجده و سمح لهم بأداء صلواتهم بادخله؟ أنسى هؤلاء أن أول من حمى المسلمين ومنحهم حق اللجوء السياسى و الدينى هو ملك الحبشة المسيحى؟

اتمنى أن يتحد كل شباب مصر و رجالاتها و قواها الوطنية ضد هذه القوى الظلامية المغيبة و التى لا تعبأ بإحراق مصر مقابل أن ترضى أفكار مريضة فى عقولهم. و الدعوة للدولة المصرية ممثلة فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة و الحكومة بالضرب بيد من حديد على كل من يخالف القانون أو يعتدى على حريات الناس و ممتلكاتهم تحت أى ذريعة. لا رحمة و لا تهاون ولا حقوق لمن لا يحترم حقوق الناس

4 May 2011

من المشير إلى المشير



عندما قتل,أو انتحر, المشير عبد الحكيم عامر عقب نكسة 1967 الأليمة, كانت مصر تعيش واحدة من أسوأ فترات تاريخها الحديث إن لم تكن الأسوأ على الإطلاق. انتهى الحلم و تخاصم الأصدقاء و تنازعو السلطة بينهم و اضاعوا سيناء و اضاعوا كرامة مصر و هيبتها. كان المشير مشيراً بالثقة و الصحبة و ليس مشيراً بالكفاءة و العلم. كان الجيش بجنرالاته و ضباطه ظل الله فى مصر. بيدهم كل شىء. و لما لا؟ فهم من أنهى الملكية و أعاد للشعب كرامته و حريته. مع مرور الوقت تحول هولاء إلى أوصياء و أصحاب حق مطلق فى توجيه البلاد داخلياً و خارجياً كيفما شاءوا. لا كلمة للشعب و لاصوت, فالجيش و جنرالاته هم فقط من له الحق فى الكلام

فى 2011 ظهر المشير مجدداً ولكن بشكل مختلف. مشيراً أجبره الشعب على النزول بدباباته و مدرعاته للشارع وليس هو من اختار المكان و الزمان. مشيراً سبقته الثورة و طلبته حامياً و محايداً فى صراعها مع فرعون وهاماناته الجدد. مشيراً لن ينتحر لأن من وراءه شعب سيحاسبه قبل أن يغامر. مشيراً له مقدار من الحب الفطرى و العفوى و ليس بالقهر و السلطة. إنه المشير طنطاوى

لا نريد المشير الأول فى حياتنا مرة أخرى, بل نريد المشير الثانى فى كل مجال

17 April 2011

هل لدينا الشجاعة لوقف هذا الهراء


هذا نعليق وجدته على نبأ مقتل المتضامن الإيطالى فى غزة

عندما يكتب الدمع ... في وداع فيتوريو أريجوني..

كن إنسانا

في وداع فيتوريو أريجوني

أيها العزيز لا تعذر تطرفنا

ما زلت أذكر اللحظة الأولى التي وطأت قدما فيتوريو فيها غزة ، هناك أناس يصبحون جزءا من حياتك بمجرد رؤيتك لهم ، فيتوريو أول شيء صنعه هو تقبيل تراب غزة ، وأول شيء صنعه هو قراره بأن يصبح مقاتلا أمميا في سبيل الحرية ، فيتوريو وغزة حكاية استكملت نهايتها المأساوية ، لأننا عشنا وما زلنا نعيش كما النعامة التي تدفن رأسها في الرمل ، نحن لا نرغب في الإعلان عن وجود فكر مجنون يؤسس للقتل العشوائي باسم الله والوطن والدين ، فيتوريو عندما جاء كان يعتقد أن غزة هي أجمل مكان في الكون ، لهذا كان يفترض أن مصيره سيكون مثل مصير المناضلة الأممية من أصل يهودي " ريتشل كوري " ، كان يفترض أن هناك إمكانية لاغتياله ، وقد كان قريبا من الموت عدة مرات برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي ، كم مرة أطلقوا عليه النار ، كم قذيفة سقطت على بعد أمتار منه في الحرب الأخيرة على قطاع غزة ، كم مرة تم استهدافه وهو يدافع عن الصيادين في عرض البحر .

في مرة سألته لماذا حضرت إلى غزة ؟ ولماذا أنت مستعد للموت في سبيل حرية الفلسطينيين ومن أجل كسر الحصار ، لم أفهم إجابته ، ولي حق في عدم الاستيعاب ، لأن العقل العربي الذي نحمله هو عقل عنصري لا يستطيع أن يبحث له عن دور إنساني في هذا العالم متعدد الثقافات والديانات ...

قلت له : نحن لا نفكر مثلك ، وحتى لو احترقت إيطاليا ، لن يفكر أحد منا بالذهاب للتضامن معها ... ضحك ... لأنه أدرك أزمة العقل التي أحملها

فيتوريو ... فلسطيني حتى النخاع أكثر منا جميعا ، إنسان دفع حياته ثمنا لقيمه التي ما زلنا أعجز من أن نفهمها ، لأننا وببساطة لا ننتمي لعالمه الجميل والطيب .

مشكلتنا في جوهرها هي مشكلة العقل والقيم ، والعصبية والقبلية والعنصرية التي تسللت إلى كل خلايانا ...

أحدهم قال لي : نحن يهود هذا العصر ، لأننا باسم الله نقتل أنبياءنا ، قلت له : أنت محق ،القيم التي حملها فيتوريو هي قيم حملها الأنبياء من قبله ، الدفاع عن المظلوم ، الاستعداد للموت من أجل الفقراء والضعفاء والمكسورين والمحاصرين ...

غزة أحبت فيتوريو ، غزة قتلت فيتوريو ، غزة بكت دما وشعرت بكثير من الإثم والخطيئة لأنها شنقته .

هي التناقضات المخجلة لأناس فقدوا معناهم ، القتل لم يكن الجريمة الوحيدة للجماعة التي اختطفته ، المؤلم أكثر هو السياق الذي اغتيل فيتوريو على أرضيته ، في الإعلان المشئوم عن الاختطاف ، بدا فيتوريو مذلا ومهانا على أرض غزة ، تسيل الدماء من وجهه ، كتبوا في الإعلان أنه فاسد مفسد للبلاد والعباد ...

هذه جريمة أخطر ...

كان فيتوريو فاسدا لأنه قرر أن يترك والده المريض بالسرطان ووالدته المريضة ليقاتل نيابة عن غزة في معركة حريتها ، فيتوريو كان فاسد عندما أصيب بالقصف الإسرائيلي على غزة إبان الحرب ، فيتوريو كان فاسدا لأن قيمه كانت كما خلقها الله ، طاهرة ونقية ، فيتوريو كان فاسدا لأن صمم على كسر الحصار والحصول على الجنسية الفلسطينية ، ومساعدة الفلاحين على العودة لأراضيهم التي منعتهم إسرائيل من دخولها على طول الحزام الأمني ...

هذا نوع جديد من الفساد الذي حاكمه القتلة باسم الله عليه ...

فيتوريو ...لم يكن هو الأول في قائمة ضحايانا الطويلة والمخجلة ، لم نشف بعد من رصاصات قاتل آخر في جنين قرر أن يغتال المخرج جوليانو مير خميس ، صاحب أروع فيلم وثائقي أعاد الاعتبار للمقاومة الفلسطينية المسلحة ، جوليانو ابن آرنا اغتلناه على أرضية ذات السياق الفاسد والمجرم والمجنون الذي نحمله في عقولنا ...

على آلان جونستون أن يكون سعيدا الآن ، لأنه كان قاب قوسين أو أدنى من الموت باسم الله والوطن والدين على أرض غزة التي أحبها أيضا ...

نحن نحمل وعيا فاسد حتى النخاع ، لأننا لا نملك القدرة على مراجعة منظومتنا الفكرية التي أسست وما زالت تؤسس لكل هذه الوحشية المجنونة التي نمتلكها ، نحن نحمل وعيا فاسدا لأننا نعرف جيدا ، أن كل واحد منا هو مشروع قاتل مأجور ، أو قاتل وطني ، أو قاتل سلفي ، لا بأس مجرد اختلافات في التوصيف لا تعني شيئا ، نحن قتلة .

القاتل هو ابن منظومة فكرية وثقافية ، يكفي أن نزرعها في عقول أبنائنا ... لنرى أيديهم الملطخة بالدماء فيما بعد ...

هل نملك القدرة على المراجعة الشفافة للذات لنعرف كيف انزرعت فكرة القتل الوحشي في تربة غزة التي تدافع عن حريتها وإنسانيتها ، أين هم أهل الله الوسطيون ، أين هم المنظرون لسماحة الدين ، أين هم أهل الله الذين يقدمون صورة رائعة للمسلم النقي الطاهر ، أين هم أهل الله الذين يقولون للقتلة ، الدين ليس سجادة صلاة ومسبحة ، الدين قيم وسلوك ...

هل انتهت جرائمنا يا غزة ، هل من محب آخر سيختطفه أناس مرضى ، وسيمارسون عليه وحشيتهم حتى ينالوا جنة الله واثنين وسبعين من الحور العين .

الله لا يكافئ القتلة ، بل يكافئ المحبين المخلصين الودودين ...

فيتوريو كان يقولها دائما : كن إنسانا

فهل كنا كذلك

التصحيح يبدأ من إعادة الاعتبار لدين الله بسماحته ، الأمر يبدأ من الجرأة في الاعتراف ، أن التطرف الذي يملأ عقول الكثير منا ، هو ظاهرة ينبغي محاربتها

ربما لو فعلنا ذلك

ستغفر لنا روح فيتوريو الذي مات مظلوما

فلترقد روحك بسلام لم تجده على أرض غزة أيها العزيز